ما الصورة التي يحملها النّاس عن المُعالِج النفسي؟ شخص مجنون رُبّما، أو على طريق إصابته بالجنون.. مسألة وقت ليس أكثر. أو قد يراه البعض داهية، يستطيع الولوج إلى عقلك، يتلاعب بك، قد يزرع فكرة في رأسك، ثم يقذفك خارج العيادة لا تعرف العيشَ دون أن ترجع إليه. آخرون يَرونه كشخص مُلحِد بالضرورة، وهذه فكرة تُضحكني حتّى وأنا أكتبها، لا أعلم مِن أين أتت هذه الفكرة على وجه التحديد، لكن بإمكانّيَ أن أتخيّل بعض المقولات المُتفرّقة التي قد تدفع باتّجاه فكرة كهذه (أحدها على سبيل المثال: المسكين صاحب الذمّة الواسعة سيجموند فرويد وسيرة حياته المشبوهة كما يُحبّ أن يراها النّاس والأساطير المنسوجة حوله).
لكن بصدق، وبجدّية، ما أفكّر فيه الآن هو: كيف يُفكّر النّاس في المُعالِج النفسيّ؟ وكم نسبة أولئك الذين يذهبون إليه وهُم يُدرِكون كواليس حياة المُعالِج النفسيّ؟ أو ما يجري في حياته اليومية؟ وما هي الأعباء التي يتركها خلف الباب قبل أن يشرع بتطبيب مَرضاه، وعلاج مُراجعيه؟
أطرح هذه الأسئلة كي أُجيب على سؤالٍ مركزيّ في نهاية هذه التدوينة، أعني تحديدًا: هل بإمكانِ مُعالجٍ نفسيّ، يمرّ بظروف صعبة، أن يُقدّم علاجًا نفسيًا جيدًا لمُراجعيه ومَرضاه؟
وبصيغة أكثر وضوحًا، أحاول الإجابة على السؤالَين الّلذين غنّتهما نجوى كَرَم من قبل، وطرحتمها بكلّ مُباشرة ووضوح:
كيف بداويك وأنا بدّي مين يداويني؟ …
كيف بدّي كون لجروحَك دوا وطبيب.. وأنا يلّي فيني مكفّيني؟
درس في التفكير النقدي: فاقد الشيء يُعطيه ويُعطي أباه وأمّه والحيّ بأكمله
هنالك مقولة منطقية شائعة يتداولها النّاس في ثقافات مُتعدّدة وبِصَيغ مُتعدّدة، مفادها:
فاقد الشيء.. لا يُعطيه
حسنًا، جيّد.. إلى حدٍّ ما، شخصيًا وبإعمال تفكيريَ النّاقد بشكلٍ بسيط، بإمكاني أن أذكر عشرة أحوال على الأقلّ، يُمكِن فيها لفاقد الشيء أن يُعطيه، وأن يُعطيَ أباه وأمّه والمدينة بأكملها. مثلًا بإمكاننا أن نُعيد ترتيب قُمامة كريهة وبشعة بطريقة فنّية، لكي تبدو من أعلى السماء، لناظر ينظر من أعلى كـ لوحة فنّية بديعة وجميلة للغاية. بإمكان شخص نشأ يتيمًا ولم يذق طعم الأبوّة، أن يُنجب وأن يكونَ نموذجًا مُبهرًا وحانيًا في أبوّته، وبإمكان امرأة ترزح تحت نيران الحرب، مُحاطة بالمَوت، فاقدة لكلّ مُقوّمات الحياة، أن تُعطي العالَم دروسًا عن جَمَالِ الحياة وطعمها.
هذا مُجرّد تمرين في التفكير النّاقد، لا يُلغي وَجاهة السؤال الذي يقول: هل بإمكانِ مُعالجٍ نفسيّ، يمرّ بظروف صعبة، أن يُقدّم علاجًا نفسيًا جيدًا لمُراجعيه ومَرضاه؟
ثمّة ادّعاء معروف بالأوساط الطبّية للأطباء والمُعالجين النفسيين، مفاده:
كُل أخصائي نفسيّ، بحاجة إلى مراجعة أخصائي نفسي آخر خاصّ به
كُل طبيب نفسيّ، بحاجة إلى مراجعة طبيب نفسي آخر خاصّ به
ما من شكّ عندي أنّ الاتّزان النفسيّ للمُعالج النفسيّ، شرط أساسيّ لتقديم خدمات العلاج النفسي، هذا مفروغ منه.. إذ هل من الأخلاقيّ أو المهنيّ أن يُقدِم العلاج النفسيّ شخص مُصاب مُعتلّ نفسيًا؟ أو شخص مُصاب باضطراب الشخصية النرجسية؟ أو شخص يُعاني من حرمان عاطفي كبير في حياته؟ هذه كلّها مُعيقات حقيقية لتقديم العلاج النفسيّ، بل أخطر، هي مصادر للتلاعب وإيذاء المُراجعين والمرضى وأحيانًا بدون وَعي وقصدية. ولكن دَعني أزفّ إليك الخبر السيّء من هذه الحكاية، وأرجو أن تُميّز بين الرسالة والرَسول ولا تُحمّلني سوء ما سأقول: إلّا أنّ أوساط الطبّ النفسيّ والعلاج النفسيّ، مليئة بأخصائيين وأطبّاء من هذا النّوع، إذ لا تُوجَد -حتّى الآن على الأقلّ- طريقة لتصفية أو ترخيص المُزاولين بناءً على أمراضهم النفسية، وإنّما يكفي في للعبور المهني نحو المزاولة، أن تجلس على قفاك عدد مُعيّن من الساعات، وأن تجتاز عدد مُحدّد من الاختبارات.
لنرفع مستوى الأسئلة قليلًا: هل يمكن لمُعالجٍ نفسيّ يُعاني من الاكتئاب أن يُعالِج شخصًا مُصاب بالاكتئاب؟
أقول، وأجري على الله، لأنّي أعرف أنّ البشر والقُرّاء لا يحبّون الإجابات التي تأتي على هيئة (!It depends) أقول: هذا يعتمد على نَوع الاكتئاب ومدى حدّته، وعلى ذات المُعالِج وكفاءته، ولكنّ إجابتي باختصار: نَعم، في بعض الأحوال يُمكِن ويُمكِن جدًّا، وهُنا تحديدًا تأتي الخبرة والكفاءة والتدريب المهني المُطوّل، الذي يضمن حدًّا أدنى من الكفايات العِلاجية للمُراجعين، بالرغم من الظروف النفسية الصعبة للمُعالِج نفسه.
الآن، هل هذا أخلاقيّ؟ هذا نقاشٌ آخر.. أليس من الأفضل مهنيًا ومن باب الاحترافية أن يتوقّف هذا المُعالِج عن تقديم وظيفته حتّى يتعافى ويتلقّى العلاج؟ بدون شكّ، ولكن إجابتي على السؤال السابق من منظور عمليّ وإجرائي، وليس من منظور أخلاقيّ يعبّر عن السيناريو الأمثل. باختصار الموقف الذي أريد أقوله هنا، هو أنّنا كمَن يقول لنجوى كَرَم: بإمكانِك أن تُداويني، حتّى وإن كُنتِ بحاجة لمَن يُداويكِ، إذ بالفعل ليس هناك ما يمنع في كثير من الأحوال أن يُطبطب جَريحين اثنين على جراح بعضهما وينجح أحدهما بتطبيب الآخر وشفائه.
إنّها ليست الأمراض النفسية ولكن الحياة اليومية
هناك عدّة طرائق ينتهجها المُعالِج النفسيّ لرعاية ذاته، منها أساليب الرعاية الذاتية التي تُمكّنه من استعادة عافيته النفسية عقب الجلسات وخلال الأسابيع، ومنها كذلك مُراجعة أخصائيّ نفسي آخر، ولكن بوصفه مُراجِعًَا أو مريضًا. وأنا شخصيًا ومن موقعية المُمارِس كأخصائيّ نفسيّ، أؤمن بضرورة الرعاية النفسية للمُعالِج النفسيّ. على الأقل شخصيًا، أعلم كيف يتأثّر المرء بحكايا النّاس وبؤسهم، ولكن هذا مُجرّد شقّ بسيط لممارسة العلاج النفسيّ، إذ هناك حزمة كبيرة من الأسباب والعوامل التي قد تجعل المُعالِج النفسيّ عُرضة لخطر الإصابة بالاضطرابات النفسية، ليس أقلّها (المُعاناة المهنية) لأن تكونَ مُعالِجًا نفسيًا!
لكن الاستشكال الرئيسيّ عندي في مقولة ضرورة العلاج النفسيّ قبل تقديم العلاج النفسيّ، هي أنّها تفترض أنّ خطوة التعافي والاستشفاء هي خطوة تحدث مرّة واحدة وللأبد، كما لو أنّك تتناول كيسًا من رقائق البطاطا، وتصبح بعدها سوبرمان على الدوام. ومشكلتي مع هذا التصوّر هو أنّه يُلغي مُستجدّات الحياة اليومية التي تُرهِق الأخصائيّ أو المُعالِج، كمعاناة والدته من مرضٍ ما أو دخولها للمستشفى، أو تعرّض ابنه لمشكلة في مدرسته، أو خلاف زوجيّ عاديّ من شأنه أن يُبقيه قلقًا ومشغولًا طوال يومه.
مهنة نبيلة ولكن: السير في حقول ألغام بشرية
من السهل تخيّل مهنة العلاج النفسي للآخرين بوصفها مَهمّة نبيلة، ووظيفة مثالية وحالمة و مُجرّد عملية رومانسية تسير بسلاسة طوال اليوم، بالرغم من أنّ العلاج النفسيّ في أحسن أحواله مَسير حذر في حقول الألغام البشرية. فالمُعالج ليس مُجرّد أداة تسجيل مُحايدة أو شخص يُمسك بقلم على طاولة خشبية، بل يقف المُعالِج في مواجهة يومية مع الألم، والموت، والصراخ، والانهيارات، مطلوبًا منه ألّا يهتزّ وألّا يتزعزع. في الواقع، تُحصي الدراسات قائمة بالمخاطر التي قد يواجهها المعالج النفسي أثناء ممارسة المهنة وهي قائمة تزيد عن 60 تهديدًا نفسيًا وخطر مهني وجسدي، لا يراها الناس، ولا تخطر لهم عند الحديث عن “مساعدة الآخرين”.
تبدأ القائمة بتصرفات المرضى أنفسهم: من الشتائم والعدوان اللفظي، إلى تهديدات بالانتحار، محاولات انتحار فعلية، أو حتى نوبات غضب موجهة إلى المُعالج ذاته. ليس هذا فحسب، بل قد يُستدعى المعالج للتعامل مع مرضى ميؤوس من شفائهم، أو ذوي أمراض ذهانية حادة، أو مقاومين بشراسة لأي نوع من العلاج. ولا تتوقف المخاطر عند حدود غرفة العلاج؛ فهناك الشكاوى القانونية وتلفيق التُّهَم واتّهامات التحرش أو الإهمال، وغيرها من تعرّض المُعالجين للمُطاردة الشخصية بعد إنهاء العلاقة العلاجية.
أما بيئة العمل، فهي الأخرى تنضح بالتوتر: مواعيد متداخلة، ساعات عمل تفوق قدرة الجسد، وضغوط تقييم الأداء، فضلًا عن عزلة مهنية ونفسية تضع المعالج في مواجهة نفسه، وهذا كلّه يسير جنبًا إلى جنب مع سعي المُعالج المستمرّ لتطوير نفسه وتحسين أدواته وتلقّي التدريبات وأحيانًا إجراء الأبحاث.
من السهل مثلًا أن يتعرّض المُعالِج النفسيّ، لتشكيك بمصداقيته أو كفاءته، حين يكون صغيرًا في العُمُر، هذا تحدّي حقيقي للأخصائيين الذين يعملون مع كبار السنّ وهو شيء مفهوم في فرع (طبّ نفس المُسنّين)، فأنت بطبيعة الحال أمام أشخاص مُتقاعدين، أنهوا خدماتهم المجتمعية التي تفوق الخمسين سنة، خبرات كثيفة، تجارب عديدة، خسارات بالجُملة، وهذه حقيقة اعترف بها للأمانة، إذ أنّ جُزءًا من نضوج كينونتك البشرية لا يتأتّى إلّا حين تحترف الخسارة، وتصيرَ مُتمرّسًا بالفقد، حين يُحدّق المَوتُ بك، ويختطف كلّ من حولك. وباختصار تأتي أنتَ بكلّ عنفوانك وطاقتك، وهندامك المُودرن، أو هكذا تظنّ، تُريد أن تُعالِج رجُلًا مُسنّ (شايف تا عايف) يشعر بالاستحقاق لسنواته الطويلة، وباعه الطويل في العَيش، وأنتَ وبحسبة رياضية بسيطة، بالنسبةِ له ما زلت في الرُبع الأوّل من عُمُرِك.
لكن الأخطر ربما، ما يُعرف بـ “الاستنزاف العاطفي” أو الإنهاك من فرط التعاطف، أو التشوّش من التماهي مع مشاعر المرضى، أو الضياع في صراعاتهم النفسية. المُعالِج هنا لا يخرج من ديناميكية “التحليل”، بل يحملها معه إلى بيته، إلى سريره، إلى علاقته بأطفاله وزوجه. وإن أضفنا إلى ذلك اضطراره لتجاهل مشكلاته الخاصة، كأن يكون ابنه يتعرض للتنمّر، أو تمر والدته بمرضٍ عضال، أو هو ذاته يواجه طلاقًا أو نوبة اكتئاب، ثم يُطلب منه أن يضبط نفسه داخل العيادة، وأن يستمع بانتباه، ويمنح الأمل، ندرك حجم التحدي الذي يعيشه.
ويُعطينا مسلسل Shrinking وهو مسلسل درامي-كوميدي صدر عن منصة Apple TV+ في عام 2023، من تأليف جيسون سيغل وبيل لورانس وبريت غولدستين، أقول يُعطينا تصوّر جيّد حول المعاناة اليومية للمُعالِج النفسيّ. يروي قصة معالج نفسي يعاني من فقدان زوجته، ويبدأ بتجاوز حدود العلاقة المهنية مع مرضاه، عبر مصارحتهم بشكل مباشر وغير معتاد، بل وتورّطه أحياناً في حياتهم.
المسلسل يتجاوز عدداً من القواعد الأخلاقية في العلاج النفسي، مثل انتهاك الخصوصية وتجاوز الحياد، مما قد يُثير تساؤلات مهنية. لكنه في المقابل يُظهر الجانب الإنساني العميق والمجهول من حياة المعالج نفسه: حزنه، وحدته، هشاشته، ومحاولاته في التعامل مع الفقد والاكتئاب.
هذا كلّ شيء يا رفاق ولي عودة قريبة بموضوع عياديّ آخر، تمنيّاتي لكم ولأحبابكم بدوام العافية.






أعجبني طرح أنسنة المعالج النفسي ونزع الصورة المثالية عنه. لكن لفت انتباهي أمران.
أليست هناك حاجة للتفريق بين المتاعب والضغوط الحياتية العابرة وبين الاضطرابات النفسية؟ فالأمثلة التي ذُكرت كمرض الأم أو الخلاف الزوجي أو حتى تجربة اليتم لا تبدو من نفس مستوى معاناة مريض يواجه اضطرابًا نفسيًا حادًا. وبالتالي قد يكون القياس بينها وبين حالة المعالج الذي يعاني اضطرابًا نفسيًا قياسًا يحتاج إلى مزيد من التفصيل.
أليس في فكرة أن الجريح قد يداوي جريحًا مفارقة فلسفية؟ هل يقوم العلاج النفسي أساسًا على امتلاك المعالج شيئًا يفتقده المراجع؟ أم أنه يقوم على اشتراكهما في الهشاشة الإنسانية مع اختلاف الأدوار والخبرات وحدود الممارسة المهنية؟