الحاجة للانعتاق والرغبة العميقة بالفطام رغم آلامه
إنّ الغياب شرط طبيعيّ وأساسيّ في أيّ علاقة صحّية، وإلّا تحوّلت إلى علاقة طُفيلية وتكافل مَرَضيّ يضرّ بهُويّة كلا الطرفين. يحتاج الطفل إلى الابتعاد عن الموضوع الخارجيّ (أمّه) لفترة من الزمن كي يتمكّن من تطوير منظوره العاطفيّ الخاصّ حول التجربة التي خاضها للتوّ مع أمّه قبل أن يحصل الغياب.
ومن المهم هنا أن نتنبّه للعلاقة بين (التفكير) و (الغياب)، بل إنّها لن تكون مبالغة إذا ما قلنا أنّ القدرة على التفكير لا تنشأ، إلّا حين نبدأ بالتفكير بشيءٍ ما غائب، أي التفكير بموضوع خارجيّ عرفناه كجزء من ذواتنا ثُمّ غادرنا فجأة.
هذا جانب لفهم أثر الغياب على الإدراك، ولكن أيضًا يُعلّمنا الغياب كيف نقدّر وجود الأشياء من حولنا، فالتقدير يزداد حدّةً في الغياب. في الواقع، إنّ الوجود المستمرّ للشيء (الموضوع الخارجيّ أو الأمّ) يُعدّ اضطهادًا، إذ يشعر الطفل أنّ الشيء يقتحم هُويّته، ويُثقل كاهله الشعور بالذنب لامتلاكه المستمرّ له، وما يتطلّبه وجوده من الانتباه المستمرّ، والتواصل المُتبادل، والتبادل الشعوريّ والوجدانيّ.
بهذا المعنى من المهم أن ننظر إلى أنّ علاقتنا مع (الغياب) ونضوجنا لا يكمن فحسب بأنّنا نتقبّل -على مضض- غياب العنصر الرئيسيّ أو الموضوع الخارجيّ أو الأمّ مع مرور الوقت. ولكنّنا نحتاجه، نحن بحاجة ماسّة لغياب الأم أو الموضوع الخارجيّ كي نفهم أنفسنا.
يساعدنا الغياب على النضج العاطفي، عن طريق تعلّم مقاومة القوى والنزعات المَرَضية التي تجعلنا نطارد الأمّ (أو ما يُمثّلها في حياتنا) ونتشبّث بها بطريقة إلحاحية وطُفيلية. والأهم من ذلك، أن نتعلّم أن ندرك الموضوع الخارجيّ أو الأمّ ككيان له استقلاليته وهُويّته الخاصّة، وليس أن ندركها بوصفها امتدادًا ثانويًا لذواتنا، (الفرق بين تنادي الأم باسمها أو أن تناديها بقولك أمّي) وبدون هذا الإدراك المتمايز للذات والأمّ، لن يتمكّن الطفل من النضوج واكتساب الحرّية ليعيش حياته الخاصة.
فالطفل دائمًا، ومهما بدا ظاهريًا غير ذلك، إلّا أنّه وفي جزءٍ منه، يرغب بشدّة في الفطام. علاوة على ذلك، ومع التعرّض المتكرّر للغياب والعودة والخوف والأمان، يبدأ الطفل بالنضوج، وتنمو قدرته على تقبّل شعوره بالذنب الناجم عن رغبته بالتخفّف من الالتصاق بالآخر، وبالتالي تقلّ حاجته إلى الشيء الغائب كشعور سيّء، مما يسمح له بالاحتفاظ بالموضوع الخارجيّ الغائب (الأمّ الغائبة) بصفاتها الجيّدة في غيابها. وحين يشعر الطفل بأنّه وأمّه (أو الموضوع الخارجيّ) بحالة جيّدة أثناء غيابها، فيمكنه الوثوق بعودتها عند حاجته إليها.
أشباح الغياب حين نكون أطفالًا: عن رعب أن تكون طفلًا
في ورقتها البحثية “الحداد وعلاقته بحالات الهوس الاكتئابي”، تشرح المُحلّلة النفسية الشهيرة ميلاني كلاين كيف أنّ وجود الأم ضروري للتغلّب على المخاوف الداخلية في عالَم الطفل، وستشرح الفقرات التالية عمّا يفعله (الغياب) بنا، وعن عوالمنا الداخلية المسكونة بذعر أن نبقى وحيدين مع أشباح مَن أحبَبنا حين يرحلون.
من المهم أن نفهم الامتدادات التحليلية للأمّ بوصفها (موضوع خارجيّ يهمّنا) هذا يعني أنّ بديل الأم حين نكبر قد يكون الشخص الرئيسيّ في الحلبة أو المكان أو السياق الرئيسي الذي نتواجد به، سواء أكانت المعلّمة في المدرسة، أم الشخص الذي نحبّ ونعشق في الجامعة، أم الزوجة التي تزوجّتها، أم الصديقة الأقرب التي نتّكئ عليها، أو العنصر الحميمي الرئيسيّ والأكثر التصاقًا بذواتنا في هذه المرحلة من أعمارنا.
لا يتسبّب غياب الأمّ بانعدام قدرتها على توفير الطعام والحبّ عندما تكون غائبة فحسب، بل يتعدّاه إلى انعدام الأمن، وغياب الطمأنينة التي يمنحنا إيّاه مجرّد وجود الأمّ حولنا كأطفال. فعندما يهاجم الطفل أمّه لهجرها إياه، فإنّه يستدخل صورة الأم المُحطّمة (كأم غائبة) إلى داخله، وهذا يُثير في نفسه الذعر والخوف، لكنّها حين تعود يُصبح وجودها الخارجيّ دليلًا ملموسًا على عدم صحّة حالته الداخلية ودليلًا على أنّ النسخة التي استدخلها إلى نفسه لا تمثّل بأيّ حال صورة الأمّ الخارجية كأم متواجدة وعطوفة تمنحه الأمان.
عند عودة الأمّ بعد غيابها، يستطيع الطفل استحضار هذا الشيء الخارجيّ (الصورة السليمة للأمّ) كطريقة لتحسين حالته الداخلية، فهو بطريقة أو بأخرى يقوم بإزاحة الصورة المُحطّمة للأمّ (الأمّ الغائبة قاسية القلب) ومداواة نفسه بالنسخة الحقيقية التي يعرفها ويؤمن بها والتي باتت موجودة الآن بعد غياب.
إنّ جزء كبير من تلذّذ الطفل بعودة أمّه (أو هذا الموضوع الخارجيّ) يأتي من عملية التعافي الداخلية، والتيقّن الداخليّ للطفل من أنّ قناعاته المأمولة والبريئة حول أمّه لا تزال صحيحة. بل قد يكون أفضل تفسير لعدم قدرة الطفل على الانفصال عن أمّه (أو الموضوع الخارجيّ) ناتجًا عن الخوف من البقاء وحيدًا مع النسخة المُحطّمة من أمّه وهذه الصورة المُتضرّرة دون وجود أي مصدر خارجي لطمأنته بأنّ هذه الصورة ليست صحيحة على الإطلاق.
ثمة صفة أخرى تمنحنا إيّاها الأمّ، ويفقدها الطفل بغياب أمّه أو الموضوع الخارجيّ: حين تغيب الأمّ.. لا يوجد مَن يستقبل أجزاءنا غير المرغوب فيها ولن يوجد مَن يَعتني بجوانبنا غير المفهومة ويُعيننا على فَهمها.
إنّ ميزة الأم في غمرة “الاحتواء الوجداني” مع طفلها - كما يسميّها المحلّل النفسي ويلفريد بيون - تكمن في قدرتها على استيعاب ما لا يرغب الطفل بالاحتفاظ به، وأخذه منه وإعادته إليه في صورة أفضل، وهي عملية لا تقلّ أهمية أبدًا على المستوى العاطفي عن منح الحب، كما أنّ التخلّص من البول والبراز لا يقلّ أهمية عن توفير الغذاء على المستوى الجسدي. فالعلاقة مع الأمّ لا تكمن فقط فيما تستطيع توفيره من مشاعر وعواطف نحتاجها، وإنّما في قدرتها على تخليصنا من كلّ تلك الأمور الكريهة التي لا نستطيع نحن تقبّلها في أنفسنا.
فعندما لا يجد الطفل مَن يستقبل مشاعره السلبية وانفعالاته المتضاربة التي لا يستطيع استيعابها، فإنّه يواجه إحدى خيارين:
إمّا كبت المشاعر المتضاربة وغير المفهومة على حالها
أو بصقها نحو الخارج والعيش في بيئة ملوّثة بها
ولذا قد يعاني الأطفال الذين يتعرّضون لانفصال طويل الأمد من حالة أشبه بالتدهور الوجدانيّ، أو حالة من الجمود الداخليّ، نتيجة لتوقّف تدفّق المشاعر والأحاسيس من وإلى الداخل، بسبب الغياب المستمرّ لمصدر خارجي يُغذّي الطفل بما يحتاجه ويخلّصه ممّا لا يستطيع معالجته أو حتّى طمأنته وإعادة مشاعره المرتبكة إليه بصورة أوضح وأكثر مقبولية. وغياب كلّ هذه الدينامية من الأخذ والعطاء، والإرسال والاستقبال الشعوريّ يحرم الطفل من استيعاب حالته النفسية والوجدانية مما يجعله يشعر بالعجز أمام وضعه الداخليّ وبالتالي التوقّف والجمود.
أحيانًا نحن نحتاج لمَن يُنقذنا من أنفسنا، نحتاج لمَن يُخلّصنا من جوانبنا السلبية، ولمَن يُسيطر بالنيابة عنّا، عمّا نعجز نحن بالسيطرة عليه. يُؤدّي غياب الأمّ إلى تعاظم معاناة الطفل نتيجة غياب السيطرة الخارجية على جوانبه السلبية. خاصةً إذا كانت الأنا ضعيفة والنزعات التدميرية قويّة ومُلحّة، وحينئذ تبرز الحاجة إلى كبح خارجيّ.
في غياب هذا الكبح، يشعر الطفل بأنّه أسير غيرته وحسده الّلذين يثيرهما غياب الأمّ والتي غالبًا ما يُظنّ أنّها غائبة لأنّها منشغلة بشيء آخر، كطفلٍ آخر، أو نتيجة دافع أنانيّ يجعلها تنسى وجوده تمامًا، إلى حدّ إمكان اختفائها وعدم عودتها، لأنّ ما يشغلها سيُعجبها وسيكون أكثر كفاءة أو جمالًا أو لذّة منّا وهذا الذعر والخوف المُرعِب ستغذّيه الغيرة والحسد، فيدخل الطفل دوّامة تصاعدية من جوانبه السلبية كالعدوان وانعدام الكبح، لا تنتهي إلّا حين تعود الأمّ من جديد.
هذه المقالة، هي معالجة تحليلية لورقة المحلّلة النفسية إدنا أوشويني (Edna O’Shaughnessy) بعنوان "الموضوع الغائب" (The Absent Object)، المنشورة عام 1964، وهي واحدة من الكلاسيكيات العميقة في المدرسة الكليانية الحديثة (Post-Kleinian). وتأتي قيمتها في سياق النقاشات السيكوديناميكية، لأنّها بخلاف الشائع لا تركّز على ما هو موجود، ولكنّها تركّز عمّا هو مفقود، فبدلاً من سؤال "ماذا يوجد في عقل الإنسان"، جعلتنا أوشويني نتساءل: "كيف يتعامل الإنسان مع ما ليس موجودًا؟" وكيف يتم التعامل مع هذا الفراغ الذي يخلقه الغياب.




تمنيت لو أني ألاقي مقطع يشرح عنه أكثر
شدة القرب حجاب يقول أهل العرفان
مقال بديع